17 نوفمبر 2018

ابن مسعود يقول الفاتحة و المعوذتين ليست من القران

نقرأ في الكتب التي تتناول تاريخ المصاحف أن ابن مسعود رفض كتابة سورة الفاتحة وكذلك سورة الفلق وسورة الناس في مصحفه، معتبراً أن هذه السّور ليست من القرآن.
إن ابن مسعود شخصية فاعلة في تاريخ الإسلام، ويحظى بالتقدير الكبير من جانب السنة والشيعة. وُيذكر أنه قاوم توجه عثمان لفرض مصحفٍ موحدٍ على المسلمين، وكان ابن مسعود قد عارض من قبل اللجنةَ التي شكلها عثمان، وقال عن زيد بن ثابت، رئيس لجنة تدوين القرآن: «لقد قرأت مِن فِي رسول الله سبعين سورة، وأنّ لزيد بن ثابت ذؤابتين يلعب مع الصبيان». وقال أيضاً: «لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله؟» (المصاحف للسجستاني 21 ـ 22).

لم يدوّن ابنُ مسعود في مصحفه الفاتحة لأنه لم يعتبرها قرآناً.

ولعل السبب الأولي يعود إلى أن محمداً وصف ذات مرة الفاتحة بأنها رقية (القرطبي 1: 174)؛ وربما رأى ابن مسعود أن وصف نص ما بأنه رقية يزيل عنه صفة القرآن. ومن جهة أخرى، لا بدّ أن ابن مسعود قد بنى رفضه على الوقائع المرتبطة بالفاتحة؛ فالنص، مع البسملة، مكوَّن من سبع آيات. ورغم قصره، فهناك خلاف في تحديد زمنه،فقد قيل أن النص مكي وقيل أيضاً أنه مدني. ولكن ثمة من انتهج طريقاً ثالثاً، فقال إن الفاتحة قد نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ ويوازي هذا القول، الرأي الذي أعلن أن نصفها الأول نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة (القرطبي 1: 177). إذاً نحن بصدد نصّ قصير، ويُروى، مع ذلك، أنه تنزّل مرتين أو على مرحلتين! فلا شك إنّ هذه الواقعه فرضت نفسها على ابن مسعود.

ثمة قاعدة في علوم القرآن

تقول إن السور القصيرة هي سور مكية من العهد المبكر، ولكن الفاتحة لا تحتوي على لغة المرحلة المكية المبكرة، كما أنها ذات بنية فريدة، فعند تحليل مفردات الفاتحة، نجد أنّها مكوّنة من عناصر كتابية مأخوذة من التوراة والإنجيل، وعلى سبيل المثال: {الْحَمْدُ للّهِ} توافق عبارة سريانية واردة في العهد الجديد (لوقا 1: 68، 2 كورنثوس 1: 3). وهي عبارة ترد أيضاً في العهد القديم (الخروج 18: 10 الخ). كما كانت العبارة متدوالة باختلاف بسيط في الليتورجيا اليهودية (نولدكه هامش ص 100). واسم الرحمن: من جذر سامي مشترك רחם. والرحمن ورد في التلمود كاسم للإله רחםנא. كما ورد في الترجوم والكتابات التدمرية. ونجد هذا اللفظ بحرفيته في السريانية، كما ذُكر في الكتابات العربية الجنوبية عدة مرات (Jeffery، Baroda 140-141). وتخبرنا المصادر التاريخية الإسلامية أن مُسَيْلِمة بن حبيب، الذي ادّعى النبوّة أيضاً، كان يبشر بالرحمن. إنَّ الفاتحة نشيد ديني، صاغه محمدٌ لأول مرة في مكة اقتباساً من عبارات توراتية. وبعد هجرته إلى المدينة، طوّر محمدٌ النشيد (نولدكه 98 ـ 100)، وهذا منشأ القول إنها نزلت مرتين أو على مرحلتين. ويمكن أن نستنتج أن محمداً وأصحابه كانوا يتلون نص الفاتحة في مناسبات طقسية. ولم يكن محمدٌ يعتبرها جزءاً من القرآن. وكان أصحاب محمد يعرفون هذا الأمر، مثلهم مثل ابن مسعود، ولكن لسبب ما نجهله، قررت لجنة عثمان لتدوين القرآن أن تدرج هذه القطعة ضمن القرآن، في حين رفض ابن مسعود إدراج الفاتحة في مصحفه، إدراكاً منه لسمتها الليتورجية، وربما أراد بمعارضته أيضاً أن يشكك في مصداقية مصحف عثمان.

والسؤال:

ألم يكن أجدر بلجنة عثمان أن تأخذ برأي شخصية مرجعية بحجم ابن مسعود، وتتجنب تدوين نص لا ينتمي للقرآن؟ قراءة مقترحة للاطلاع على تحليل يكشف الأصل اليهودي المسيحي في الفاتحة، يمكن مراجعة تاريخ القرآن، تأليف تيودر نولدكه (الترجمة العربية 98 ـ 104)…