1 مارس 2017

الرحمة بين المسيح ومحمد

رحمة الله

نقرأ عن المسيح في القرآن أن الله يسميه: آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا – سورة مريم ٢١:١٩ – . كما قال الله عن محمد: وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ – سورة الأنبياء ١٠٧:٢١.
إن كنا ندرك أن وحي محمد يختلف مبدئياً عن وحي المسيح، نرى أن مضمون الرحمة في هذين الرجلين يختلف أيضاً اختلافاً جذرياً. لقد كان محمد نبياً مسلماً، وعبداً لله، يُخبر بما أملاه الملاك جبرائيل عليه. أما المسيح فلم يكن نبياً ورسولاً فحسب، بل كان الوحيَ المتجسِّد، فلم يكن محتاجاً إلى وسيط كالملاك بل كان في ذاته كلمة الله الأزلي. فكما أن الفرق شاسع بين الوحي في الإنجيل والقرآن، هكذا تختلف رحمة محمد عن رحمة المسيح جوهرياً.

قد تم الوحي لمحمد بواسطة آيات القرآن وإعلاناته في الحديث وقدوته في السُّنة. واتحدت هذه الإلهامات في الشريعة مع أوامرها ومحرماتها منظمة جميع نواحي حياة الأمة الإسلامية. فتُنظم العبادات بالتفاصيل كالوضوء والصلاة والصوم والزكاة والحج وحتى الختان والدفن. وأما المعاملات فتُنظم جميع نواحي الحياة في العائلة والإرث والعقود والجهاد والعقوبات. فتُسير حياة المسلم حسب الشريعة. وهكذا ظهرت خلاصة رحمة الله للمسلم في إنشاء الشريعة.

يخبرنا الإنجيل أن الإنسان لا يتبرّر بحفظ الشريعة، لأنْ لا أحد أكمل فرائضها. وهكذا لم يُنفّذ مسلم ما الوضوء دون خطأ. وأهملت الأكثرية الصلوات الخمس. وكسر ملايين الصوم. وقدموا الزكاة بالحيلة. ولم يمارسوا الحج بدون هفوات. وكم من مرة أخطأ الرجل نحو زوجته وأولاده؟ وكم من عَقْد عُقِد بحيلة وخداع، وكم من مرة صدر من الشفتين كذب. وهل عُرف إنسانٌ بدون كبرياء وأنانية وحقد ونجاسة؟ فشريعة الله تدين الإنسان بأعماله ونياته. وخلاصة الشريعة هي الحكم على الإنسان الخاطئ لأجل الفشل والذنب والفساد. نعم، شريعة محمد نظمت حياة الأمة نظاماً شاملاً، كما أن شريعة موسى ركزت الحياة على الله في كل نواحيها? طالبة التسليم الكلي والخضوع للخالق. إنما الشريعة لن تبرر الخاطئ، ولن تحرر المذنب من ذنبه. فكل شريعة تحكم على الأثيم وتهلكه فبسبب الشريعة سيدخل الإنسان جهنم. الشريعة هي الدّيّان العادل ولا يستطيع أحد أن يرضيَها.
يتمنى كل تقي غفران الغفور، ويرجو المسلم أن الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ – سورة هود ١١٤:١١ وسورة ٣٠:٢٩-٣٥ – . ولكن بالحقيقة لن يحصل أحد من الأمة الإسلامية على الغفران النهائي الشامل قبل يوم الدين، لأن ليس عندهم بديل في الدينونة إلا الشريعة الحاكمة.
لا ولن يوجد خلاصٌ في الشريعة، لا معنوياً ولا لغوياً، وسينال كل واحد في يوم الدين حسابه بسبب آثامه وفشله المبين. فالشريعة تدين أخيراً أتباعه. ولذلك اعترف النبي بأن جميع أتباعه سيدخلون جهنم حتماً. فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ والشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جَثِيّاً… وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً – سورة مريم ٦٨:١٩ و٧١ – .
إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ – سورة هود ١١٩:١١ – ١٢٠.
نعترف بأن المسيحي والهندي والبوذي والمسلم أشرار بطبيعتهم، لأن ليس أحد من البشر صالحاً ولا واحد. ا لْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللّهِ – رومية ٢٣:٣ .
إنما الله منح في المسيح رحمة خاصة لكل الناس، رحمة لا تدين الخطاة ولا تهلكهم، بل تنجيهم من غضب الله ودينونته العادلة – يوحنا ١٧:٣.

لم يُلغ المسيح حفظ وصايا الله، وطلب من حوارييه إتمامها عملياً. إنما الهدف الأخير لمجيء المسيح ليس تعيين شريعة يستحيل تطبيقها، بل إعلان محبة الله للخطاة وتبريرهم المجاني.
فعاش المسيح ما قاله وأكمل الشريعة بذاته. وصار حمل الله الذي يرفع خطية العالم – يوحنا 1:29 – .
وأنبأ إشعياء النبي قبل ألفين وسبعمائة سنة موضحاً نيابة المسيح عنّا في دينونة الله: لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللّ هِ وَمَذْلُولاً. وَهُوَ مَجْرُوحٌ لِأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لِأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلَامِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إلى طَرِيقِهِ، والرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا – إشعياء ٤:٥٣-٦ .

خلص المسيح أتباعه من لعنة الشريعة، ونجاهم من حكم الدينونة في اليوم الأخير. وبرّر الذين يُقبلون إليه مؤمنين بتبريره. لقد صالَح المسيح البشر بالله، وأوجد سلاماً أبدياً.
ويحرضنا الرسول بولس لقبول هذه الحقيقة الروحية كاتباً إلينا تَصَالَحُوا مَعَ اللّهِ. لِأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللّهِ فِيهِ – ٢كورنثوس ٢٠:٥ . لذلك استطاع المسيح أن يُؤكد للمفلوج أمامه: ثق يا بُنيّ. مغفورة لكَ خطاياك . وأعلن أيضاً للخاطئة التائبة: مغفورة لكِ خطاياكِ . ويستمر المسيح بدعوته لكل تائب، نادم على إثمه، ويؤكد له: إنّ الله يحبك، لأني صالحتك به .
لم يرسل الله المسيح رسولاً إلى العالمين لينشئ شريعة ثقيلة يستحيل تطبيقها. كلا! إنما المسيح نفسه كان رحمة الله المتجسد? حين ظهرت فيه محبة القدوس للجميع. وأحب الخطاة، وبارك أعداءه، وشجع الفاشلين.
فابن مريم هو رحمة الرحمن الرحيم. ويدل هذا اللقب على أنه جوهر من جوهر، وروح من الله في الجسد – سورة النساء ١٧١:٤- . فليس خلاف ولا فرق بينه وبين رحمة الله. لذلك أصبحت كفّارته النائبة عن البشر كله عرض من الله للهالكين. فكل من يقبل نعمة التبرير يتصالح مع الله ويُبصر متأكداً أن المسيح حي جالس عن يمين العظمة. فرحمة المسيح لا تديننا، ولا تهلكنا، بل أوجدت تبريراً عاماً ونعمة خاصة وسلاماً مع الله.
لا يعيش أتباع المسيح تحت شريعة موسى فيما بعد، ولا تحت شريعة محمد، بل يثبتون في نعمة الإنجيل. ويثبت القرآن هذا الامتياز بكل وضوح: وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ – سورة المائدة ٤٧:٥ . فالقرآن يحرر المسيحيين من الشريعة شرعياً ويثبتهم رسمياً في نعمة الإنجيل، فإن رحمة المسيح تمنح سلاماً عاماً ونشاطاً روحياً في يقين الخلاص، وتقودنا لخدمات المحبة والرجاء اليقين.